في يوم حقوق الإنسان: العراقيون اللاجئون في لبنان ليسوا بخير
مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب على الفيس بوك
في يوم حقوق الإنسان: العراقيون اللاجئون في لبنان ليسوا بخير
العائلة العراقية الصغيرة المؤلفة من أب وأم وطفلتين سمراوين جميلتين، تدخل خجلة إلى الغرفة المستطيلة، ذات السقف البرتقالي، باحثة عن شيء لا تدركه.
الأب حبيب خ. حضر من بغداد إلى بيروت، بحثاً عن آلات خياطة قادرة على تطوير مهنته وتوسيعها، ذات آذار من عام 2003، أو ربما، بحثاً عن حياة أفضل في بلد جديد، بحسب ما يتبين من كلماته التي تخرج منه حذرة. ستمر أربعة أيام بالضبط قبل أن تندلع الحرب الأميركية على العراق. كان الهدف الرئيسي المستتر لحبيب من هذه الرحلة تحسين وضعه الاقتصادي، وقد قصد بيروت من دون غيرها «لأن أعداد العراقيين في عمان كانت كبيرة، وفرص العمل محدودة في سوريا، فقررت المحاولة في بيروت»، غير أن العكس هو ما حدث معه.
يقول كلماته وينظر إلى زوجته ندى وطفلتيه نبأ (9 سنوات) وبروج (6 سنوات). منذ وصوله إلى بيروت، يقيم حبيب، الذي يحمل شهادة بكالوريوس في التربية الرياضية، بطريقة غير شرعية على الأراضي اللبنانية. دخل بطريقة غير قانونية، ولاحقاً، بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز عام 2006، أرسل بطلب عائلته الصغيرة التي ستدخل لبنان بدورها بصورة غير قانونية: «كان الوضع في العراق قد أصبح غير محتمل، ابنتي الكبرى هددت بالخطف من الميليشيات التي عرفت أن والدها يعيش في لبنان فظنته تاجراً كبيراً.. لم يكن أمامي خياراً آخر. كان علي أن أحمي عائلتي من الخطر».
تعيش العائلة اليوم في إحدى مناطق ضاحية بيروت الجنوبية. الشقة الصغيرة التي تسترها يبلغ بدل إيجارها الشهري مئتي دولار أميركي. تدرس الفتاتان الصغيرتان في مدرسة رسمية ويغطي نفقاتهما الدراسية مكتب «كاريتاس». حبيب كان يعمل خياطاً في احد المحال في بيروت. مؤخراً، توقف عن العمل. راتبه لم يزد عن الأربعمئة دولار أميركي بأي حال من الأحوال.
لا ينفك الشاب الأربعيني عن التفكير بالعودة إلى وطنه «غير أن الوضع الأمني والانفجارات الدائمة لا يسمحان حتماً بذلك». يقول إنه سبق له أن خسر ستة من أبناء أعمامه خلال الحرب: «أربعة منهم دهستهم الدبابات الأميركية، والاثنين الآخرين قتلتهما الميليشيات». المنطقة نفسها التي كان يعيش فيها وتقع في العاصمة العراقية باتت من لون طائفي واحد: «ما يشعرني بكثير من القلق».
تقدم حبيب بطلب إعادة توطين في بلد ثالث عبر الأمم المتحدة فرفض طلبه، «وقد علل السبب بأن خدمتي العسكرية كانت في شمال العراق. ربما يعتقدون أن كل من شارك في الخدمة العسكرية في الشمال قد ساهم بإبادة الأكراد وهذا الأمر ليس صحيحاً بالطبع».
غير أن ما يثير غرابة التعليل هو أن مجزرة حلبجة ضد الأكراد قد حدثت في أواخر الثمانينيات بينما الفترة التي قضاها حبيب في خدمة العلم كانت ما بعد منتصف التسعينيات.
في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حضر حبيب مع عائلته إلى «مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب» الذي أقام حفل استقبال لهم في مركزه الجديد، في منطقة النويري «بهدف التواصل مع عراقيين آخرين».
المصيبة تجمع. مشاكل العائلات التي لا تعرف بعضها تكاد تكون متشابهة وأولها الإقامة غير الشرعية، والوضع الاقتصادي المتردي، وغياب جميع أنواع الضمانات، والعنصرية، وخطر السجن والتوقيف، والتهميش.
يضيف حبيب: «حقوقي الإنسانية ضائعة في هذا البلد وأولها الحق في الحرية والتنقل». في حال أوقف على أي من الحواجز الأمنية، يتعرض مباشرة للسجن.
يعيش العراقي محمد ف. مع عائلته في لبنان بصورة غير شرعية منذ عام 1996 وقد أتى إليه للسبب ذاته الذي أحضر حبيب، أي تحسين ظروف المعيشة.
عندما يتذكر محمد الطريقة التي أوصلته إلى لبنان، يشعر بنوع من الإدانة الذاتية: «جازفت بنفسي وبعائلتي كي أتمكن من الوصول إلى هنا». يوم وصل محمد إلى لبنان، كانت عائلته تتألف منه ومن زوجته علياء ومن طفلته نقاء، التي كانت في عامها الأول.
اليوم، تبلغ نقاء الرابعة عشرة من عمرها وتتحضر للامتحان في الشهادة المتوسطة هذا العام. وقد بات لنقاء أختان ولدتا في لبنان دعاء (7 سنوات) ومريم (سنة واحدة). والطفلتان لا تحملان أوراقا ثبوتية تعرف عنهما باستثناء وثيقة ولادة، وورقة صادرة عن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعترف بأفراد العائلة كلاجئين.
لعلياء، زوجة محمد، كلام تقوله. برأيها، إن المعاناة «باتت أمراً روتينياً نستيقظ معه كل يوم». تقول: «نحن لا نريد رغيفاً»، قبل أن تختنق بكلماتها. دمعتها ترفض أن تسيل من عينيها. تضيف: نطالب أن نعيش بكرامتنا»، وتتوقف عن الكلام.
منذ فترة ليست ببعيدة تعرض محمد، رب الأسرة، للضرب. محمد يعيش أيضاً في إحدى ضواحي بيروت وهو عامل في الأدوات الصحية. هجم عليه ستة لبنانيين وانهالوا عليه لكماً ولطماً: «فقد اعتبر بعضهم أني أهدد رزقهم وطلبوا مني المغادرة من البلد».
ورغم إصابته البليغة التي لم تخل من كسر في فكه الأيمن، لم يتمكن محمد من التقدم بشكوى أمام السلطات اللبنانية «لأني لا أحمل بطاقة إقامة شرعية».
ليس الكبار من يعاني من العنصرية فقط. للصغار حصتهم من الظلم أيضاً. منذ خمس سنوات، شاركت نقاء في مسابقة معلومات عامة على مستوى مدارس لبنان وفازت بالمركز الثالث. الجائزة كانت عبارة عن رحلة سياحية لبضعة أيام إلى مصر. ولما لم تكن نقاء تحمل إقامة شرعية أو جواز سفر شرعياً، تحولت الجائزة تلقائياً إلى الفائز بالمرتبة الرابعة من المسابقة.
وهذا كله نتف من المعاناة والظلم اللاحقين بالعراقيين المقيمين في لبنان.
ترى، هل ما زال بالإمكان القول، في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن الإنسان بخير؟
إشارة إلى أن عدد العراقيين في لبنان يقدر بنحو خمسين ألفاً بحسب «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، من بينهم 10.124 شخصاً مسجلاً مع المفوضية حتى تاريخ 30 أيلول 2009.