بعد ثلاثين سنة أسر، لبنان يحتضن ابنه البطل...سمير القنطار


ولد سمير القنطار في 22 تموز عام 1962 في بلدة عبيه. تلقى علومه الأولى في مدارس البلدة وتميز منذ صغره وبشهادة الكثير من رفاقه بشجاعة وحماس منقطع النظير ويروى أنه كان يضع تحت إحدى صوره عبارة "الشهيد سمير القنطار".
شارك في التصدي والقتال ضد قوات الإحتلال في جنوب لبنان ( الطيبة) إبان الإجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978. حاول القيام بعملية عسكرية ضد العدو الإسرائيلي عن طريق الحدود الأردنية في منطقة بيسان وإعتقل هناك لمدة سنة من تاريخ 31/1/1978 ولغاية 25/12/1978.
بتاريخ 22 نيسان 1979 نفذ عملية القائد جمال عبد الناصر مع ثلاثة من رفاقه هم: (عبد المجيد أصلان) و(مهنا المؤيد) و(احمد الأبرص). وإخترقت المجموعة رادارات العدو وترسانة أسلحته منطلقه من شاطئ مدينة صور بزورق مطاطي صغير من نوع (زودياك) معدل ليكون سريع جداً، وكان هدف العملية الوصول الى مستوطنة نهاريا وإختطاف رهائن من الجيش الإسرائيلي لمبادلتهم بمقاومين معتقلين في السجون الإسرائيلية.
المميز في عملية نهاريا أن المجموعة إستطاعت إختراق حواجز الأسطول السادس وأخفوا الزورق عن الرادار وحرس الشاطئ، بدأت العملية في الثانية فجراً وإستمرت حتى ساعات الصباح ، ووصلت المجموعة الى شاطئ نهاريا حيث يوجد أكبر حامية عسكرية إضافة الى الكلية الحربية ومقر الشرطة وخفر مدفعية السواحل وشبكة الإنذار البحري ومقر الزوارق العسكرية الإسرائيلية ( شيربورغ). إقتحمت المجموعة إحدى البنايات العالية التي تحمل الرقم 61 في شارع جابوتنسكي وإنقسمت المجموعة الى إثنتين ، وإشتبكوا في البداية مع دورية للشرطة وحاولوا الدخول الى منزل يملكه ( أمنون سيلاع) يقع على الشاطئ مباشرة، وبعد ذلك إشتبك أفراد العملية مع دورية شرطة إسرائيلية فقتل الرقيب ( إلياهو شاهار) من مستوطنة معلوت. وبعدها إستطاعت المجموعة أسر عالم الذرة الإسرائيلي (داني هاران) وإقتادوه الى الشاطئ، المعركة الرئيسية وقعت عند الشاطئ عندما حاول سمير الإقتراب من الزورق وفي هذه المعركة إستشهد أحد رفاقه وأصيب رفيقه الآخر بجراح بالغة كما أن سمير قد اصيب بخمس رصاصات في أنحاء جسده كافة، وبعد أن إستقدمت قوات العدو وحدات كبيرة من الجيش دارت إشتباكات عنيفة على أثر إحتماء سمير وراء الصخور، ونجح سمير بإطلاق النار على قائد قطاع الساحل والجبهة الداخلية الشمالية في الجيش الإسرائيلي الجنرال (يوسف تساحور) حيث جرح بثلاث رصاصات في صدره ونجى بإعجوبة، والجدير ذكره أن إسرائيل طمست خبر إصابة الجنرال بجراح بالغة في العملية وعندما ادلى بشاهدة للمحكمة فيما بعد تم إخلاء القاعة من الناس والمحامين ومن ثم عاد الجنرال ليصرح بعد عشرة سنوات لإحدى الصحف الإسرائيلية انه: "لن ينسى طيلة حياته وجه الفدائي الذي اصابه بثلاث رصاصات في صدره إنه ودون شك سمير القنطار ". وكانت الحصيلة النهائية للعملية ستة قتلى من بينهم عالم الذرة داني هاران وإثني عشر جريح.
أما افراد العملية فلقد إستشهد منهم إثنان هما عبد المجيد اصلان ومهنا المؤيد وأعتقل سمير القنطار وأحمد الابرص ولقد أطلق سراح الأبرص عام 1985 على أثر عملية تبادل للأسرى.
نقل الأسير سمير القنطار وهو ينزف دماً إلى شاطئ نهاريا للتحقيق معه حول ظروف العملية التي نفذها وأهدافها. التعذيب الذي تعرض له سمير القنطار يصفه في رسالة من داخل سجنه قائلاً :" لقد صلبت عارياً على حائط وبدأ جنود الاحتلال يتدربون فن القتال على جسدي، بقيت تحت الشمس أيام وليالي واقفاً ويداي للأعلى مقيدة بالحائط ورأسي مكسو بكيس من القماش الأسود الذي تنبعث منه رائحة نتنة. بعد حفلة التعذيب هذه كبلوا جسدي بالجنازير والصقوا بأذني مكبرات للصوت ومنها تدوي صافرة في الرأس حتى فقدت الشعور والإحساس بالوجود، أقسى ما عانيته عندما وقعت جريحاً, وبدأت عمليات استئصال بعض الرصاصات من جسدي حيث كنت شاهداً على مشهد استئصال تلك الرصاصات لأنهم لم يعطوني مادة مسكنة للألم، وعندما حاولت الصراخ من الألم أغلقوا فمي ,وكلما كنت احضر للعيادة في السجن للتغيير على الجرح كان الطبيب يدخل إصبعه في الجرح بحجة أن عليه أن يتأكد من عيار الطلقات التي اخترقت جسدي، وأثناء التحقيق, كنت اجلس أمام المحقق مكبل اليدين والقدمين ,ويطفئ المحقق سجائره في يدي، بقيت في زنزانة طولها نصف متر وعرضها نصف متر وسط الظلمة لا اعلم متى يبدأ النهار ومتى ينتهي الليل".
بتاريخ 24 نيسان 1979 عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي (مناحيم بيغن) على لجنة الشؤون الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي مشروع قرار يقضي بإلغاء قرار سابق إتخذه مجلس الوزراء بعدم فرض عقوبة الإعدام على الفدائيين ولقد أيده في ذلك ( عزرا وايزمان) وزير الخارجية و(حاييم لاندو) وزير المواصلات كما طلب ( إبراهام شارير) رئيس الجناح البرلماني الليكودي تطبيق الإعدام وكذلك أصدر ( إسحق شامير) بتاريخ 25/4/1979 تصريحاً يؤيد تطبيق الإعدام بحق منفذي عملية نهاريا ، كما أعلن بيغن خلال تشيع قتلى عملية نهاريا " أنه بخصوص الفدائي سمير القنطار فإننا نفكر بإنتقام لم يخترعه الشيطان".
لقد كان لعملية نهاريا ردود فعل واسعة وكبيرة داخل الأراضي المحتلة حيث أن سكان الجليل الأعلى والجليل الغربي ناموا في الملاجئ لأكثر من أسبوع على اثر العملية، كما أن (عازرا وايزمان) ألغى زيارة كان ينوي القيام بها الى القاهرة والتي كانت في حينها ضمن الإجتماعات التفاوضية التي كانت إسرائيل ومصر تقوم بها على أثر إتفاقية كامب دافيد وكانت مخصصة لوضع خطوط أولية لعلاقات الجوار بين البلدين.
حاول الإسرائيليون بشتى الوسائل تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسير سمير القنطار ولقد وافقت الحكومة الإسرائيلية بكامل اعضائها على مشروع قانون بهذا الصدد إلا أن الإسرائيليين وجدوا انفسهم أمام معضلة قانونية حيث ان القانون الإسرائيلي لا يسمح بالإعدام. وفي 28 كانون الثاني من العام1980 حكمت المحكمة الإسرائيلية المركزية في "تل ابيب" على الأسير سمير القنطار بخمس مؤبدات أضيف إليها 47 عاماً أي ما يعادل 542 عاماً. وطلب سمير في المحكمة المرافعة عن نفسه حيث قال: " لا تهمني مدة الحكم مائة او خمسمائة سنة من السجن المؤبد، المهم بالنسبة لنا أننا جئنا الى هنا لإثبات وجودنا وفعلنا ما أردنا لكي نثبت انه في المستقبل سيحصل الشعب الفلسطيني على هويته الوطنية في هذه البلاد".
خاض سمير عشرات الإضرابات عن الطعام ويعد أحد رواد الحركة الأسيرة العربية داخل السجون التي تخوض يومياً معارك البطون الخاوية من أجل تحسين شروط العيش الإنسانية داخل المعتقل. بعد إضراب عن الطعام دام 19 يوماً إنتزع سمير حقه مع رفاقه الأسرى في التعلم بالمراسلة من داخل سجنه وبعد جهود كبيرة ومتواصلة ومتعبة سمح له في عام 1992 الالتحاق بجامعة تل أبيب المفتوحة وهي تسمح بإنتهاج أسلوب التعلم عن بعد وقد تخصص بمادة العلوم الإنسانية والاجتماعية،وأنهى دراسة الإجازة في حزيران العام 1997 وبعد ان انهى المواد المطلوبه منه وكتب بحثين إضافيين الى المواد بعنوان " المفاجئات العسكرية في الحرب العالمية الثانية، والثاني بعنوان "تناقض الأمن والديمقراطية في إسرائيل"، وفي تموز العام1998 طلب الأسير سمير القنطار متابعة دراسته العليا في جامعة خاصة موجودة في إسرائيل، ولكن إدارة السجن رفضت طلبه معتبرة انه لا يمكنه الدراسة إلا في جامعة عبرية كي تراقب مضمون المواد ، وهو حالياً يحاول متابع دراسة الماجستير في مادة "الديمقراطية " وتجاوز العقبات التي وضعتها مديرية السجون وهو يقول :" أنه ما دام الإسرائيليون مصرون أن أبقى هنا فلا مانع لدي من إكمال دراسة الدكتوراه " .
يعاني سمير القنطار من الناحية الصحية من مرض الربو ومن رصاصة لا تزال مستقرة في رئته اليمنى وهي تهدده دائماً بخطر كبير.
الحرية لسمير القنطار ولكافة المعتقلين الفلسطينيين والعرب في السجون الإسرائيلية، ننتظر طلتهم، ننتظر بسمتهم، ننتظر مواكب نورهم ونارهم ، فلا بد لزورق حقوق الإنسان أن يقترب من ميناء شوقنا ويحمل بعض القبل الى امهات وأطفال واحباب، يجفف قلوبها الشوق وتكحل الأسلاك بالرحيق، تحترف الإنتظار، وتعصر كل يوم من العتمة ورداً وأملاً وأقحوان.

22 ابريل 2008




 

 

OPTIONS





2001 Copyrights KhiamCenter.org